أنفاس كانون الثلجية ، والقرية كانت عالية عن سطح البحر ، بيوتها متباعدة وتعدّ على الأصابع ، وأشجارها كثيفة وغزيرة مثل شعر الرأس .
لطيفة :
لطيفة ، كانت شجرة الصفصاف لفحها البرد واحتقنت به ، فتورمت رئتاها ومجاريها التنفسية ، داهمها سعال متواصل واقشعر بدنها من الحمى ، أغلقت لطيفة مخدعها وعينها على بواكير الخضرة ، ولزمت فراشها : لطيفة بنت سليمان ، أنت بين يدي الله الآن استعدي لعناق طويل أنحلك انتظاره ، صفّرت رياح كانون ، حمل الصفير إلى لطيفة نداء مراكب بعيدة : طالت غيبتك يا امرأة ، كيف حال الزيتونات ؟ اشتقت اليك يا أمي ، كيف حال البيادر ؟
لطيفة على بساط الريح :
توردت لطيفة من صوت النداء ، وأشرقت عيناها ، ورقص الشوق على شفاهها ، أدارت وجهها إلى جهة القبلة ، وابتهلت إلى ملاك الموت ليأتيها ، ويعجل بأخذ وديعته ، ثم رفعت سبابتها ، اليمنى وشاهدت : طارت لطيفة على بساط الريح ، حط بها البساط على سطح بيت ريفي ، معشوشب وعليه مدحلة من حجر ، نزلت لطيفة من مدخنته المسطومة بالشحّار : لابارك الله في خلقه البنات .. تشحرت لطيفة وصدقت سوادها مرة أخرى ، في ذلك كانون من الخمسينات ، كان عمر لطيفة خمسين سنة .
بيوت القرية وسط الريح :
وأبواب بيوت القرية كلها خشبية وعتيقة ، ناطحها الزمن والريح ، وأحدث فيها شقوقًا وحرشف ما تبقى من مساحاتها ، عالج الناس تلك الشقوق وسدوها بروث البقر والخروق ، وكانوا في الصيف يتركونها فاغرة على حالها لتدخل النسمات ، من خلالها اليهم ، اشتدت العاصفة وزأرت غاضبة ، اختبأ الناس في بيوتهم ومترسوا أبوابهم من الداخل .
الركض فوق الثلج :
تحلقوا حول الكوانين يلقمونها بالحطب ، ويستدفئون بالوهج والذكريات : لكل منهم ربيعة ، للكبار ربيعهم الماضي ، وللصغار أيضًا ربيع أجدادهم وآبائهم ، ولطيفة تركض فوق الثلج ، تهز أشجار الزيتون والسنديان ، تحوش ثمارها وتملأ أذيالها وعبّها ، تلسعها برودة الثمار التي لا تلبث أن تسخن من لفحها ، تفرغ ثمارها في طبق القش أمام أخيها عباس الكبير : لطيفة تستحق أن تأكل اليوم لأنها عملت بثمن رغيفها ، يقول عباس لزوجته : لطيفة لم تتمرس بابها ، كانت واهنة على الزحف اليه وإغلاقه بالمسمار ، المطعوج ، الذي دقته بالجدار ، ولأنها واهنة فهي لا تخشى الأقوياء .
الريح والرطوبة والثلج :
صفعت الريح باب مخدعها ، وفتحته على مصراعيه ، شرد الثلج إلى الداخل المخدع وابتل الحصير والبساط وتحللّت ألوانه ، كما أصاب البلل الصندوق الذي كانت لطيفة قد وضعته في صدر المخدع من زمان ، وخبأت فيه أسرارها وحنينها وجللته بغطاء من الحرير الأخضر ، ثم بدأ الفراش الذي كانت تنام فوقه ، يتشرب الرطوبة ويعب الثلج بنهم .
صندوق لطيفة :
في الصندوق كانت تنام أشياء جديدة ، ابرتها : قمباز دمشقي ، ملابس طفل ، طرحة بيضاء وقفازات عروس ، وأطر لوسائد ووجوه طريحًا ومناديل مطرزة بشغل الابرة والصنارة ، وخز البرد حنين لطيفة النائم في الصندوق ، تمطي وصهل ، نهض اليها وعانقها ، انتشرت مع ندف الثلج الشارد ، أوراق عطر ورود جوري وأغصان حبق ، كانت مندسة بين طيات الحنين ، وانضمت اكليلا لبس رأس لطيفة النائم على الوسادة .
زفة ووصية :
صارت لطيفة عروس زفتها السنديانة ، الواقفة أمام باب مخدعها بمواويلها الحزينة وشيعتها بالدموع إلى بساط الريح ، أنا لطيفة بنت سليمان ، أوصي بأملاكي ، الصندوق والبساط والحصير ودست النحاس وطبق القش ، وزلع الفخار ، وجل الزيتون ، إلى حياة بنت ابتسام قابلة القرية .
الوصية والميراث :
قرأ عباس الوصية أمام ذكوره تحت السنديانة ، كانت حياة البرية تحمل سلتها وتمشي حافية لا تبالي بالبرد ، تجمع القواقع التي كانت تشدها رائحة الثلج من اوكارها ، في الصخور كي تتزاوج فوق الثلج ، تشويها حياة في الموقد وتستمع إلى وصيتها وهي تئن تحت الرماد ، قبل أن تأكلها : أنا القوقعة البيضاء ، أوصى بلحمي وشحمي إلى حياة ، وببرازي إلى عباس الطمّاع .
مزق عباس الوصية وهو غاضب ، لا وصية لوارث .. وذهب مع أولاده إلى مخدع لطيفة ، التي كانت مدثرة بالثلج مع فراشها ، نهبوا أشياءها بعد أن اقتضوا بياضها وحنينها بأصابعهم الخشنة .
قراءة تاروت الابراج اليومية. مجانا اكتشف ما يخبئه لك اليوم مع قراءة التاروت اليومية لجميع…
فنجان الابراج اليوم مع قارئة الفنجان الاولى في العالم العربي حصريا لموقع عرب كلوب توقعات…
توقعات الأبراج اليوم | حظك اليوم - مرحباً بكم في أبرز التوقعات اليومية لجميع الأبراج.…
قراءة تاروت الابراج اليومية. مجانا اكتشف ما يخبئه لك اليوم مع قراءة التاروت اليومية لجميع…
فنجان الابراج اليوم مع قارئة الفنجان الاولى في العالم العربي حصريا لموقع عرب كلوب توقعات…
توقعات الأبراج اليوم | حظك اليوم - مرحباً بكم في أبرز التوقعات اليومية لجميع الأبراج.…