خلال ثوان، يُكَون الآخرون انطباعهم الأول عنك، وتبقى هذه الصورة في أذهانهم ويبنون عليها طريقة تعاملاتهم معك، ويركز الأشخاص خلال المقابلات الأولى -سواء كانت في سياق مهني أو اجتماعي- على ترك انطباع جيد ليمهد لك ذلك بناء علاقات ناجحة.

ولكن في بعض الأحيان لا تسير الأمور على ما يرام، وتتسبب ظروف خارجة عن إرادة الشخص في تكوين انطباع أول سلبي عنه، أو يشعر بالتوتر والضغط بسبب إدراكه لأهمية اللقاء الأول، ويؤثر ذلك على طريقة تحدثه مع الآخرين أو تصرفه أمامهم ويصعب عليه التعبير عن نفسه بشكل حقيقي، ويترك انطباعا سيئا وتصورا خاطئا عنه. فهل يمكن تغيير هذا التصور؟

أهم من الحقيقة
أشارت دراسة نُشرت بمجلة “الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” (Journal of Personality and Social Psychology) إلى أن الانطباعات الأولى لها تأثير كبير جدا، ويعطيها البشر قيمة أكبر من الحقائق الفعلية التي عرفوها عن الشخص مسبقا.

ولا يستغرق الناس في بناء انطباعهم الأول سوى بضع ثوان، أو أقل من ذلك، إذ تشير دراسات إلى أنه خلال الثواني السبع الأولى فقط سيكوّن الأشخاص انطباعا قويا عن هويتك، وتشير أبحاث أخرى إلى أن الأمر قد لا يتعدى عُشر الثانية للبدء في تحديد ما إذا كنت شخصا جديرا بالثقة أم لا، وبعض السمات الأخرى.

صعب ولكن ليس مستحيلا
تشير مجلة “هارفارد بزنس ريفيو” (Harvard Business Review)‏ إلى أن أحد أسباب صعوبة تغيير انطباع الآخرين عنك هي ظاهرة نفسية تسمى “خطأ الإسناد الأساسي” (Fundamental Attribution Error) التي تعني ميل البشر إلى الاعتقاد أن سلوكيات الآخرين تعكس حقيقتهم وأساسهم الداخلي، بينما عند تفسير تصرفاتهم الشخصية ينسبون سلوكهم إلى عوامل ظرفية خارجة عن سيطرتهم.

فربما تكون في حالة نفسية سيئة، أو تعاني من ظرف ما، ولكن من غير المرجح أن يعتبر الآخرون أن هناك ظروفا خارجية تؤثر عليك، ويميلون إلى الافتراض أن سلوكك الآن هو حقيقتك، مما يجعل التغلب على تصورهم السلبي أمرا صعبا، لكنه ليس مستحيلا.

وهذه بعض الطرق لمساعدتك على تغيير انطباع الآخرين عنك:

تذكر أنها مجرد بداية
إذا فكرت قليلا ستجد أنك كونت انطباعات أولى عن أشخاص قابلتهم في حياتك، وبمرور الوقت تغيرت هذه الانطباعات جزئيا أو حتى كليا، فمن كنت تظن أنه شخص عدائي، اتضح لاحقا أنك فقط قابلته خلال وقت عصيب.

فلا تعتبر أن انطباعات الآخرين هي فرصتك الوحيدة للنجاح أو الفشل، ولكن يمكنك اعتبارها صورة ذهنية تتشكل وتتطور خلال تفاعلاتك، وتذكر كيف تغيرت انطباعاتك عن الآخرين، وتأكد أنك يمكنك أيضا تغيير تصور الآخرين عنك وإظهار حقيقتك التي لم تتمكن من إظهارها أول مرة.

اسع لمزيد من اللقاءات
كشفت دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن تغيير انطباع الآخرين السيئ عنك يتطلب 8 تفاعلات أو لقاءات إيجابية معهم، تحتاج فقط للمثابرة.

كما أن التفاعلات الصغيرة هي التي تبني وتزيد الثقة بشكل أكبر من مجرد لقاء واحد -حتى وإن كان مبهرا- لذلك ركز على إظهار قيمتك خلال التفاعلات اللاحقة على مدار الوقت.

اطلب فرصة أخرى
ويمكنك ببساطة أن تطلب من الطرف الآخر أن يمنحك فرصة أخرى لتصحيح انطباعه الأول عنك، وتساعد الصراحة والصدق في تقليل سوء الفهم وإعادة صياغة الموقف، وإذا كان سلوكك هو ما أدى إلى الانطباع الخاطئ، يمكنك الاعتراف بذلك والاعتذار أو شرح أسباب تصرفك إذا كان ممكنا.

فاجئهم
لا يميل الآخرون إلى إعادة تقييم معتقداتهم دون سبب واضح، لذلك تحتاج إلى مفاجأتهم بالتصرف عكس انطباعهم، ولا تتوقع تغيير تصوراتهم ببعض الإيماءات الخفية، بل تحتاج إلى الجرأة لقلب فكرتهم عنك.

على سبيل المثال، إذا توصل زملاؤك إلى انطباع أول عنك أنك انطوائي ولا تتحدث كثيرا، لن يكفي أن تشارك معهم بالحديث مرة واحدة لتغيير فكرتهم، ولكن عليك الانطلاق والمبادرة وخلق محادثات معهم لعرض مهاراتك في التحدث والتواصل.

اقترب
إذا تعرضت لموقف مربك أو محرج خلال تعرفك على شخص، قد تشعر برغبتك في تجنبه، ولكن لن يغير ذلك انطباعه، بل قد يعزز فكرته الخاطئة عنك، لأنه لم يتلق أي مدخلات جديدة حول شخصيتك.

لذلك تحتاج إلى دفع نفسك خارج حدود راحتك، ومحاولة الاحتكاك به والتعرف عليه بشكل أفضل.

اطلب المساعدة
قال آدم غرانت، الأستاذ بكلية إدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا، لمجلة “فوربس” (Forbes) إن “طلب النصائح هو من بين أكثر الطرق فعالية للتأثير على الآخرين”.

وأشار إلى إحدى الدراسات التي طلب فيها الباحثون من المشاركين التفاوض بشأن صفقات تجارية، وعندما طلب البائعون من المشترين أن يعطوا لهم نصائح حول كيفية تحقيق أهدافهم، تمكن 42% من التوصل إلى اتفاقات في مصلحة الطرفين.

فإذا شعرت أنك لم تترك انطباعا إيجابيا، حاول أن تطلب نصيحة الشخص الآخر حول أي شيء، ويسمح لك هذا بخلق تفاعل جديد يمكنك خلاله ترك انطباع أفضل من المرة الأولى.

دع الآخرين يدلونك
أحيانا يصعب التعرف على ما تسبب بالضبط في سوء فهم الآخرين لك، ولمعرفة ذلك، يمكنك سؤالهم بشكل غير مباشر.

على سبيل المثال، يمكنك سؤال مديرك أو زميلك عن أفكار حول كيفية تحسين أداء عملك وعلاقاتك في العمل، فقد يخبرك بما عليك التركيز عليه، مثل ضرورة الاستماع للآخرين باهتمام وعدم مقاطعتهم، أو أهمية الحضور في الأوقات المحددة، ومن حديثه يمكنك تحديد سلوكياتك التي يجب تعديلها.

أدرك أنك لا تستطيع إرضاء الجميع
رغم محاولاتك، بعض الأشخاص قد لا يكوّنون انطباعا إيجابيا عنك، وقد لا يتعلق ذلك بأي شيء قلته أو فعلته، بل يتعلق بتفضيلات شخصية أو أفكار أخرى خارجة عن إرادتك، لذلك في بعض الحالات من الأفضل الابتعاد والتركيز على من يمكنك التعامل معهم وتوطيد علاقتك بهم. “الجزيرة”

 المصدر