لاشك أن جميعنا قد سمعنا عن أسطورة الحضارة المصرية القديمة ، وأن عمرها سبعة آلاف عام ، ولكن ماذا يمكنك أن تقول إذا ما عرفت بأن هذا الرقم مجرد أسطورة ، وأن هناك دلائل مادية على وجود حضارة تسبق الحضارة المصرية القديمة بخمسة آلاف سنة كاملة ، أي أنها قد بدأت فعليًا قبل اثني عشرة عامًا كاملة ، ولكن كيف هذا ؟ وما القصة ؟ .
قبل اثني عشر عامًا قبل الميلاد ، قامت حضارة قديمة قبل الحضارة الفرعونية في منطقة الصحراء الغربية بمصر ، ونشأت تلك الحضارة المميزة في أقصى الجنوب بالنوبة ، على بعد مائة كيلو متر غربي منطقة أبو سمبل ، التي لم تكن قد وُجدت بعد آنذاك .
عُرفت الحضارة القديمة باسم نابتا بلايا ، وكانت عبارة عن مجموعة ضخمة من القرى الصحراوية أو مجموعة من القبائل المقيمة في الصحراء القاحلة ، اجتمعوا جميعًا في مكان واحد ، وكانت حياتهم قائمة ومعتمدة على مياه الأمطار ، والمياه الجوفية بالآبار ، ورعاية وتربية الحيوانات ، وكانت تلك المنطقة عامرة آنذاك بالعديد من الحيوانات المتنوعة مثل الغزلان ، والجاموس ، وذلك الحشائش والمياه مما ساعد على ازدهار تلك الحضارة القديمة ، رغم أنها لم تتحرك قيد أنملة خارج هذا النطاق الذي وُجدت فيه ، بحيث تقترب من منطقة وادي النيل فأكثر ، إلا أنها كانت قد اكتفت بالتواجد في وسط الصحراء .
ظلت تلك الحضارة قائمة ومتواجدة ، لقرابة الخمسة آلاف عامًا قبل الميلاد ، إلى أن تراجعت نسبة الأمطار ، وجفت الآبار وانخفضت المياه بداخلها ، وتحول المكان كله إلى صحراء جرداء ، وهاجر السكان وظل المكان مهجورًا لفترة زمنية طويلة للغاية ، وانتهت حضارة نابتا وقامت في أعقابها الحضارة المصرية القديمة في وادي النيل .
وفي عام 1974م قام العالم فريد ويندورف ، بصحبة فريق من علماء الأركيولوجي أو الآثار ، بالتنقيب في المنطقة التي قامت بها حضارة نابتا ، واكتشف الفريق أن نظام البناء إبان تلك الحضارة كان في قمة التطور ، حيث شيّدت قرى كاملة فوق الأرض وتحتها ، بالإضافة إلى تصميم العديد من الأنفاق والطرق الشبيهة ببيوت النمل .
وكشف التنقيب أيضًا أن أهالي حضارة نابتا قد صنعوا مبانٍ دائرية الشكل ، تساعد على حفظ الأطعمة والنباتات التي يمكن أن تنمو في ظروف مناخية مختلفة ; مثل أنظمة الصوب الآن ، مع صنع مخازن عملاقة للحفاظ على الأطعمة والبذور لفترات طويلة ، وذلك بطرق هندسية تحميها من التعفن والتلف السريع .
من الأمور المثيرة جدًا بالنسبة لحضارة نابتا ، أنها كانت أول حضارة تصنع مرصدًا فلكيًا آنذاك ، قد يندهش البعض لتلك المعلومة ولكن بالفعل تم اكتشاف أن سكان نابتا قد قاموا بصناعة دوائر حجرية ضخمة ، وتم تقسيمها إلى أعمدة حجرية ، وبوابات ، وكانت وظيفة تلك الأحجار هو تحديد التقويم الشمسي ، وموعد الانقلاب الصيفي من أجل معرفة توقيت انحسار الأمطار ، بالإضافة إلى بوصلة ضخمة لمعرفة الاتجاهات ، وساعة من أجل تحديد التوقيت الصيفي والشتوي ، ومواقيت الكسوف والخسوف وغيرها .
واستفادت حضارة نابتا من تلك المراصد الفلكية في عمليات البناء ، والزراعة ، والعلوم وخلافه ، وجدير بالذكر أن القدماء المصريين عندما قاموا ببناء الأهرامات قد وضعوها على هيئة حزام نجوم يعرف باسم (حزام الجبار) ، وهو نفس المكان الذي قامت فيه حضارة نابتا بوضع المرصد الفلكي خاصتها .
وتعد منطقة حضارة نابتا منطقة سياحية وأثرية ، ومازالت تلك المراصد الفلكية موجودة بها حتى الآن ، بالإضافة إلى نقوش ورسوم على الأحجار تحكي قصة تلك الحضارة القديمة للغاية.