قصة جالينوس

قصة جالينوس

ظهر في العصور القديمة العديد من العلماء العظماء في مختلف المجالات ، وقد أرثوا العلم بأغنى المواد العلمية ، ويُعتبر جالينوس من أهم أطباء العصور القديمة ، وُلد جالينوس في بيرغامون عام 129م ، كان له عظيم الأثر في تطور عدة فروع علمية مثل علم وظائف الأعضاء ؛ وعلم الأعصاب ؛ وعلم التشريح ؛ وعلم الأدوية ؛ وغيرهم الكثير من العلوم الأساسية في مجال الطب .

كان يتبع جالينوس مذهبًا خاصًا به في مجال الطب ؛ حيث كان يعتبر أن الأخلاط الأربعة المتمثلة في البلغم والدم والصفراء والسوداء ؛ هي التي تستطيع تحديد مدى الحالة الصحية للإنسان ، وقد لاقت هذه النظرية تطورًا على يد أطباء العصور القديمة .

نالت نظريات جالينوس مكانة عظيمة ومتميزة بين أطباء الغرب ؛ حيث ظلّ منفردًا بأعماله وتقاريره الطبية حتى حدثت بعض التطورات عام 1543م ، ركزّ في أعماله الطبية على تشريح الخنازير والقرود ، ولم يتخطى أحد تفوق أعماله إلا حينما نشر اندرياس فيساليوس عملًا يختص بتركيبة الجسم البشري ؛ والذي كان يوضح فيه صورًا خاصة بتشريح جسم الإنسان ، وقد توافقت نظرية فيساليوس مع نظرية علم الوظائف لجالينوس ؛ فيما عدا بعض الملاحظات الجديدة .

احتلت نظرية جالينوس الخاصة بعلم وظائف الجهاز الدوري المكانة الأولى في المجال الطبي حتى عام 1628م ؛ حينما قام وليام هارفي بنشر دراسته الخاصة حول التمارين التشريحية وتأثيرها على حركة القلب والدم داخل جسم الحيوان ؛ حيث أوضح فيها حركة دوران الدم وطريقة عمل القلب كمضخة .

أبدع جالينوس في مجاله العلمي ؛ مما جعل طلاب الطب يستمرون في دراستهم لنظرياته المختلفة حتى القرن التاسع عشر ، لم يقدم جالينوس كلامًا علميًا وحسب ؛ بل اعتمد في نظرياته على إقامة التجارب ؛ حيث قام بالعديد منها على الأربطة العصبية .

دعمّ جالينوس نظرياته بالتجارب ؛ التي جعلت من تلك النظريات محط اهتمام طبي حتى الوقت الحالي ؛ حيث تجد نظريته قبولًا داخل الأوساط الطبية المعاصرة ، وقد أوضح في تلك النظرية أن الدماغ له القدرة على التحكم بكل حركات العضلات ؛ وذلك عن طريق الجهاز العصبي المحيطي الذي يساعد في أداء تلك المهمة ؛ فيتمثل عمله كوسيط بين الدماغ وتلك الحركات العضلية .

كان جالينوس طبيبًا ماهرًا وفيلسوفًا عظيمًا ؛ حيث كان يذكر دائمًا أنه طبيب وفيلسوف في ذات الوقت ، وكتب بأحد أبحاثه أن أفضل طبيب هو أيضًا فيلسوف ؛ لذلك لم يفصل بين الطب والفلسفة ؛ حيث كان يحبهما بشدة ؛ مما جعله يُبدع في المجالين .

اهتم جالينوس بالمذاهب الفلسفية ؛ وخاصة السجال الذي كان يقوم بين أنصار المدرسة العقلانية والمدرسة التجريبية ، واتخذ أسلوبًا وسطيًا بين المذهبين ؛ مما جعل له مكانة خاصة بين الفلاسفة القدامى .

تمت ترجمة العديد من أعماله من اللغة الأصلية التي كُتبت بها وهي اليونانية إلى لغات أخرى ؛ مما حفظها إلى الوقت الحالي ؛ بينما اختفى العديد من أعماله ، وهناك الكثير من الأعمال الخاصة بجالينوس تم حفظها بالنسخة العربية فقط ؛ وذلك لأن الترجمة من اليونانية إلى العربية كانت في أوج ازدهارها خلال العصر العباسي ، ويُعتبر الطبيب العربي حنين بن إسحاق من أبرز الذين قاموا بترجمة أعمال جالينوس .

حصل جالينوس على مكانته الخاصة نتيجة تفوقه ؛ حيث نال تقديرًا عظيمًا من العلماء والأطباء ؛ حيث قام أبو بكر الرازي بمنحه لقب ثاني الفاضي ؛ وكان الأول هو أبقراط ، كما ذكر اسمه العديد من شعراء العرب في تنظيم شعرهم ؛ حيث وضعوه في قالب تمجيدي متميز ؛ مثل قول المتنبي (يموت راعي الضأن في جهله ميتة جالينوس في طبه) وبعد تلك المسيرة العلمية الهائلة ؛ توفي جالينوس بروما عام 216م .

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com