كان حاطب بن أبي بلتعة يستعد للذهاب إلى مصر ، لكي يلقي برسالة رسول الله الكريم صلّ الله عليه وسلم ، إلى حاكم مصر آنذاك ، ولم يكن يعرف عنها شيئًا سوى معلومات قليلة ، وكان هناك من سأل حاطب ، ماذا تعرف عن مصر يا بن أبي بلتعة ؟ فقال له لا أعلم عنها سوى أنها قد سجنت يوسف ثم أكرمته ، وكلم الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام على أرضها .

وعندما لم يجد سيدنا عيسى مكانًا يضع به رأسه ، حملته أمه على ظهر ناقة ضعيفة ورحلت معه ، قاطعة المسافة من القدس وحتى مصر في رحلة شاقة للغاية ، قضت خلالها ثلاثة أعوام على هذه الأرض الطيبة ، وهي أرض مباركة ، هكذا روى حاطب .

وعقب تجهيز ناقته ورحاله تأكد حاطب أن رسالة النبي الكريم معه ، فحملها وانطلق سريعًا على صهوة جواده الممشوق الأصيل ، مثله مثل فرسان الإسلام ، كان حاطب منذ نعومة أظفاره لا يجيد سوى شيئين هما ما يميزانه ، أولهما هو إلقاء الشعر ، وثانيهما هو الفروسية ، حيث أخذ من الشعر وتعلم منه رقة المشاعر ، بينما تعلم من الفروسية الأخلاق الحميدة للفرسان.

ولولا تكامل الشعر مع الفروسية ، لأصبح حاطب فارسًا بلا مشاعر ، أو العكس شاعرًا بلا أخلاق ، حيث تضيع حياة هؤلاء بين اللهو والهيام على وجوههم في الصحراء ، وكان حاطب في نهاية العقد الثالث من عمره 9  ، عندما حارب مع المسلمين في غزوة بدر وأصاب كافة أهدافه .

فجلس إلى جواره بقية المسلمون من الجيش وبدؤوا يتغزلون في قوته ، وفروسيته وأنه ذو قلب شجاع استطاع أن يهزم أعدادًا كبيرة من الكفار ، بضربة من سيفه ، فقد كان حاطب من أمهر رماة المسلمين ، فأشادوا به وبوجوده الذي مثّل تدعيمًا قويًا لثقة جيش المسلمين بنفسه .

دخل حاطب مصر من الجهة الشرقية ، وكان كل فترة يطمئن على رسالة النبي إلى المقوقس حاكم مصر آنذاك ، ولكن مقابلة المقوقس لم تكن تشغله كثيرًا ، وإنما ظل يتذكر قصة عبد الله بن حذافة ويتساءل هل ستكون نهايته مثله ؟ وعبدالله بن حذافة هو الرسول الذي بعث به النبي الكريم ، إلى أرض الفرس.

وعن قصة عبدالله بن حذافة مع ملك الفرس ، ذهب الأول إلى كسرى رسولاً من نبي الله ، واستأذن الحرس في الدخول إليه وإلى مملكته الخاصة ، فأمر كسرى باستقباله وتزيين القاعة ، وأرسل لعظماء الفرس لحضور هذا المجلس ، فحضر الجميع وهنا أمر كسرى بدخول عبدالله إلى مجلسه.

ما أن دخل عبد الله حتى أمر كسرى بأن يأتي أحدهم بالرسالة منه ، فرفض عبدالله قائلاً أن النبي الكريم صلّ الله عليه وسلم قد أمره بأن يسلم الرسالة إلى الملك كسرى يدًا بيد ، فنظر له كسرى طويلاً ثم قال لحراسه بتركه أن يتركوه يدن منه ، وتسلم منه الرسالة ثم أعطاها لأحد الحضور بجواره ، يعرف اللغة العربية وأمره بقراءتها .

بدأ الرجل في قراءة الرسالة وقال بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلامٌ على من اتبع الهدى .. ، هنا استشاط كسرى غضبًا لأن النبي ذكر نفسه أولاً ، فجذب الرسالة ومزقها ، ثم أمر عبدالله بأن يخرج من مجلسه ، فعاد عبدالله إلى النبي يجر أذبال الخيبة.

وفطر حاطب هل سيكون مصيره مثل عبدالله  ، أم أنه سيلقى مصيرًا آخر مثل دحية الكلبي مع ملك الروم هرقل ؟ ، حيث دخل دحية الكلبي إلى هرقل ملك الروم وسلّمه الرسالة ، فتأملها الملك هرقل طويلاً ودقق فيها بإمعان ، ثم رفع رأسه يسأل دحية عن صفات وطبيعة وأخلاق الرسول ، وعقب انتهاء دحية من كلامه عن النبي الكريم ، تأدب الملك هرقل في الكلام ولكنه لم يعط جوابًا شافيًا وكأنه بحاجة لبعض الوقت والتفكير في الرسالة .

وهنا فكر حاطب بأن رد فعل المقوقس قد يكون متسقًا مع فحوى الرسالة ، فأخرجها حاطب من جيبه وظل يتأمل حروفها ، ثم ذهب إلى الإسكندرية ينتظر القارب الذي بعث به المقوقس ليأخذه له.

التقى حاطب بالمقوقس ، فسأله الأخير لماذا لم يدع عليه رسول الله فيهكله منذ البداية ؟ فسأله حاطب إن كان سيدنا عيسى قد دعا على من هم قبله ، وأخبره بأن يحاول أن يعتبر بغيره من الناس على ألا يكون عبرة لهم ، وصمت كلاهما وكل يفكر في الأمر.

عاد حاطب إلى النبي وهو يحمل رسالة من عظيم القبط بمصر الملك المقوقس ، ومعه جاريتان السيدة ماريا رضي الله عنها ، وأختها سيرين وأنه قد قرأ كتاب النبي الكريم وفهم ما ذكره وما يدع إليه ، والسلام ، وهكذا انتهت مهمة حاطب بن أبي بلتعة سفير النبي إلى مصر.

By Lars